ابن الحسن النباهي الأندلسي
93
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
الملحدين ، الساعين في شقّ عصاكم ، وتفريق ملّتكم « 1 » ، الآخذين في مخاذلة دينكم ، وهتك حريمكم ، وتوهين دعوة نبيّكم - صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى جميع النبيّين والمرسلين - أقول هذا ، وأختمه بالحمد للّه ربّ العالمين ! وأستغفر اللّه الغفور الرحيم : فهو خير الغافرين » فخرج الناس يتحدّثون عن مقام منذر ، وثبات جنانه ، وبلاغة منطقه . وكان الخليفة الناصر لدين اللّه أشدّهم تعجّبا منه ، فأقبل على ولده الأمير الحكم يسائله عنه ، ولم يكن يثبت معرفة عينه ، وقد سمع باسمه . فقال له الحكم : « هو منذر بن سعيد البلّوطيّ » . فقال له : « لقد أحسن ما شاء ! فلئن كان حبّر خطبته هذه وأعدّها ، مخافة أن يدور ما دار ، فيتلافى الوهي ، إنه لبديع من قدرته واحتياطه ، ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته ، إنه لأعجب وأغرب » فكان ذلك سبب اتصاله به ، واستعماله . وذكر ابن أصبغ الهمدانيّ عن منذر القاضي أنّه خطب يوما وأراد التواضع ؛ فكان من فصول خطبنه أن قال « 2 » : « حتّى متى ؟ وإلى متى ؟ فكم الذي أعظ ولا أتّعظ ؛ وأزجر ولا أزدجر ، أدلّ الطريق على المستدلّين ، وأبقى مقيما مع الحائرين ؟ كلّا إنّ هذا لهو الضلال المبين إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ « 3 » الآية . اللّهمّ ! فرّغني لما خلقتني له ! ولا تشغلني بما تكفّلت لي به ! ولا تحرمني وأنا أسألك ! ولا تعذبني وأنا أستغفرك ! يا أرحم الراحمين » . قال « 4 » : وكان الخليفة الناصر لدين اللّه كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها ، وتخليد الآثار الدالّة على قوّة الملك وعزّ السلطان ؛ فأقضى به الإغراق في ذلك إلى
--> ( 1 ) وهكذا في مطمح الأنفس ، وفي نفح الطيب : « ملاكم » وهي مخففة من « ملإكم » . ( 2 ) انظر نفح الطيب ( ج 2 ص 20 - 21 ) . ( 3 ) سورة الأعراف 7 ، الآية : 155 ) . ( 4 ) النص في مطمح الأنفس ( ص 40 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 570 - 571 ) وأزهار الرياض ( ج 2 ص 278 - 279 ) .